الغزي
80
نهر الذهب في تاريخ حلب
غيرها . والظاهر أن العدوي من حيث هي ضعيفة النكاية في حلب ، فقد شاهدنا فيها كثيرا من الناس الذين يلامسون المصابين بأمراض تنتقل بالعدوى ويأكلون ويشربون من آنيتهم ولا يصابون بمرضهم . وأما ماؤها المركّز في صهاريجها فهو من أعذب المياه وأصفاها وألطفها . ونقل ابن الشحنة عن بعض العلماء أنه فضّل ماء صهاريجها المملوء من قناتها على ماء النيل والفرات . وفي ماء حلب يقول أبو فراس : لقد طفت في الآفاق شرقا ومغربا * وقلّبت طرفي فيهما متقلبا فلم أر كالشهباء في الأرض منزلا * ولا كقويق في المشارب مشربا ومن فضل صهاريج حلب أن الغني والفقير في مائها على السواء . وذلك أن الفقير يمكنه أن يشرب في أوقات القيظ كل شربة ، ماء عذبا باردا نقيا يتناوله من صهريج بيته أو صهريج محلته المباح للعموم ، بخلاف بقية البلاد الكبيرة فإن فقيرها لا يمكنه أن يشرب في إبّان القيظ كل مرة من الماء المذكور ، لأنه يحتاج إلى ثمنه أو ثمن الثلج الذي لا يخلو شربه عن الضرر أيضا أو التحليل على تبريده بغير واسطة . وأما بناؤها فقد جمع بين حسن الظاهر والباطن ، فترى الجدار من جهتيه كأنه سبيكة فضة ، والقادم على حلب يشاهد صعيدها كأنه مليء بقصور من فضة مموهة بالذهب ، وهذا مع إتقانه ومتانته وقلة كلفته . فأما إتقانه فإن كل دار في حلب تصلح أن تكون حصنا في غيرها . وأما قلة كلفته فحسبك أن من يملك نحو ثلاثمائة ذهب تركي ، يمكنه أن يعمّر بها دارا كاملة المنافع والمرافق يسكنها ذو أسرة يبلغ عددها سبعة أشخاص . ويتمتع بها هو وأعقابه من بعده مئات من السنين . وكثيرا ما يوجد عندنا دور مضى عليها خمسمائة سنة وهي عامرة آهلة ، ربما بقيت خمسمائة سنة أخرى . والحكمة في إتقان بناء حلب هي لزوجة ترابها المعدّ للبناء وقوة كلسها ومهارة بنائيها وجودة حجارتها . فإنه يوجد في مقاطعها من الحجر الصلد الصلب الذي لا تكاد تعمل فيه المعاول ، إلى الحجارة التي يمكن حتّها ونحتها بأدنى كلفة . فما بين هذين النوعين زهاء عشرة أنواع ، لكل نوع منها لون ومحل من البناء ، كالنحيت المائل للصلابة ، والنحيت الهشّ ، ولونهما أبيض ، واللبن والرخام الأبيض والأصفر والأسود والسماقي والمرمري